محمد سعيد رمضان البوطي
135
فقه السيرة ( البوطي )
قام أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرسالا فنزلوا على الأنصار في دورهم ، فآووهم ونصروهم وآسوهم « 1 » . ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا متخفيا غير عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فقد روى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه وتنكب قوسه ، وانتضى في يده أسهما ، واختصر عنزته - عصاه - ومضى قبل الكعبة ، والملأ من قريش بفنائها فطاف في البيت سبعا متمكنا مطمئنا ، ثم أتى المقام فصلى ، ثم وقف فقال : « شاهت الوجوه ، لا يرغم اللّه إلا هذه المعاطس ، من أراد أن يثكل أمه أو يوتم ولده أو ترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي » . قال علي : فما اتّبعه إلا قوم من المستضعفين علّمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه « 2 » . وهكذا تتابع المسلمون في الهجرة إلى المدينة حتى لم يبق بمكة منهم إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعلي ، أو معذب محبوس ، أو مريض أو ضعيف عن الخروج . العبر والعظات : كانت فتنة المسلمين من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، في مكة ، فتنة الإيذاء والتعذيب وما يرونه من المشركين من ألوان الهزء والسخرية ، فلما أذن لهم الرسول بالهجرة ، أصبحت فتنتهم في ترك وطنهم وأموالهم ودورهم وأمتعتهم . ولقد كانوا أوفياء لدينهم مخلصين لربهم ، أمام الفتنة الأولى والثانية ، قابلوا المحن والشدائد بصبر ثابت وعزم عنيد ، حتى إذا أشار لهم الرسول بالهجرة إلى المدينة ، توجهوا إليها وقد تركوا من ورائهم الوطن وما لهم فيه من مال ومتاع ونسب . ذلك أنهم خرجوا مستخفين متسللين ، ولا يتم ذلك إلا إذا تخلصوا من الأمتعة والأثقال ، فتركوا كل ذلك في مكة ليسلم لهم الدين ، واستعاضوا عنه بالإخوة الذين ينتظرونهم في المدينة ليؤوهم وينصروهم . وهذا هو المثل الصحيح للمسلم الذي أخلص الدين اللّه ، لا يبالي بالوطن ولا بالمال والنسب في سبيل أن يسلم له دينه . هذا عن أصحاب رسول اللّه في مكة .
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد 1 / 210 و 211 ، وتاريخ الطبري 1 / 367 . ( 2 ) أسد الغابة : 4 / 58 .